الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
84
القواعد الفقهية
كما أن ذكر العلة وهي قوله تعالى « أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ » لا يدل على اعتبار العلم في العمل بالأخبار ، بل الجهالة هنا بمعنى السفاهة ، وما لا يكون عقلائيا ، وحيث إن الاعتماد على خبر الثقة أمر عقلائي ليس فيه سفاهة ولا ندامة ولو تبيّن كونه خلاف الحق ، فهو من قبيل العلم الذي هو جهل مركب لا ندامة في العمل به من حيث الاعتماد على أمر غير عقلائي ، بل من حيث الخطأ وهو محتمل في جميع الأمارات الشرعية والعرفية وفي حق غير المعصومين . ومما ينبغي أن يذكر ان مورد الآية وشأن نزولها من الموضوعات لا من الاحكام وهو الخبر بارتداد قبيلة بني المصطلق ، والعجب من جماعة من الأصوليين حيث استدلوا بها على حجية خبر العدل في الأحكام ، أخذا بإطلاق الآية ، ولم يستدلوا بها على حجيته في الموضوعات الذي هو موردها ، فهل يمكن تخصيص العموم وتقييد الإطلاق بإخراج المورد وشأن نزولها ؟ كلا . وقد يستدل هنا بآيات الشهادة « 1 » ولزوم إظهارها ، وحرمة كتمانها ، مثل قوله تعالى « ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّه آثِمٌ قَلْبُه » « 2 » وقوله تعالى : « وأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّه » « 3 » وقوله تعالى « كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّه » « 4 » وقوله عز من قائل « ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا » « 5 » إلى غير ذلك . وكأنهم استندوا في ذلك إلى دليل اللغوية ، وان الإظهار لو كان واجبا لوجب القبول ، والا كان لغوا ، ولكن هذا غير تام ، كما ذكر في أشباهه من وجوب إظهار العالم علمه وغيره ، فان دليل اللغوية يدل على أن في الإظهار فائدة ، ولكن هذه الفائدة
--> « 1 » استدل به في العناوين . « 2 » البقرة : 283 . « 3 » الطلاق : 2 . « 4 » النساء : 135 . « 5 » البقرة : 283 .